حكاية الشمس التي تغرب في عين حمئة ! (الرد على الشبهة) - محمد شعوان

مستجدات

Post Top Ad

الجمعة، 28 أبريل، 2017

حكاية الشمس التي تغرب في عين حمئة ! (الرد على الشبهة)

حكاية الشمس التي تغرب في عين حمئة ! (الرد على الشبهة)
 

قال سبحانه وتعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الاَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً. فَاتَّبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً} سورة الكهف: 83 – 86

في ذلك الزمن السحيق، حيث لا شبكة تواصل ولا هواتف ولا أقمار صناعية، سار ذو القرنين بجيشه في الصحارى وبين الجبال متبعا الشمس إلى مغيبها، كانت الشمس تبدو له - كل مرة - غاربة في مكان مختلف، تارة يراها تغرب خلف الجبال، وتارة في الصحراء وتارة أخرى بين التلال وفي السهول، إلى أن وصل إلى مكان انتهت اليابسة عنده، بالقرب من مصب أحد الأنهار، حيث تكثر الأعشاب ويتجمع حولها طين لزج، وتوجد برك وكأنها عيون ماء حامية حيث بدا لذي القرنين وكأن الشمس تغرب فيها، وخلف كل ذلك المشهد بحر متلاطم الأمواج، لا يملك عبوره.

كان مشهد غروب الشمس خياليا، لو كان ذو القرنين من محبي التصوير وعاش في عصرنا لالتقط صورا رائعة لذلك المشهد البديع أو لأوحى هذا المشهد لفنان برسم لوحة في منتهى الجمال..
الناس يستمتعون بمناظر الغروب،  يلتقطون صورا للشمس وهي تغوص رويدا رويدا في البحر، ولكنهم يعلمون يقينا أنها لا تغوص في البحر حقيقة.. أو يرونها تنزل في سهل فسيح ويعلمون يقينا أن ذلك ما تراه أعينهم لا ما يقع حقيقة.. ما يحدث للناس اليوم وعبر التاريخ تجاه غروب الشمس أو شروقها، هو ما حدث لذي القرنين من قبل. فذو القرنين، يرى- كما نرى- الشمس تغرب وتشرق كلّ يوم، وذكر القرآن "مغرب الشمس"، ولا يزال الناس إلى اليوم يطلقون مصطلح "الغرب" والمغرب" على أماكن معينة من الكرة الأرضية حتى بعد أن وصل العلم إلى ما وصل إليه..


  وفي كل الأحوال فإن ذا القرنين لم يكن يهمه شكل الغروب بقدر ما كان يهمه أن رحلته إلى الغرب انتهت هناك.

لو قرئت هذه الآية مجردة عن أي خلفية فكرية، وفي إطار سياقها القرآني والطبيعي لما أثارت أي إشكال، لكن الحاجة للبحث عن أي أخطاء في القرآن الكريم حولها إلى قضية كبيرة، أثارها بعض الملحدين والمنصرين وغيرهم، ظنا منهم أنهم وقعوا على نص ينسف الإسلام نسفا، وصدَّقهم في ذلك طائفة من المسلمين، وتأثروا بشبهتهم.
 
والخطأ حسب زعم هؤلاء، يتمثل في أمور منها:
- أن الشمس لا تغرب في العين.
- أن الأرض تدور والشمس ثابتة وما ورد في القرآن الكريم خطأ علمي.
والصحيح حسب هذا المنطق أن يقال: ” واتجه ذو القرنين إلى جهة (ما) من الكرة الأرضية، وكانت الأرض تدور وتدور والشمس متوقفة إلى أن وصل إلى مكان..”
 وهنا يُترك للقارئ الكريم أمر التعبير عن رؤية ذي القرنين الشمس غاربة. فأي الأساليب أَوْفَى بِشَرْحِ المراد وتبليغ الخطاب؟

 
 ما فهمه العلماء المسلمون؟
وقد فهم علماء المسلمين المعنى الصحيح للآيات الكريمة منذ القديم قبل أن يصل العلم إلى ما وصل إليه حاليا..

 يقول ابن حزم (ت. 456 هـ ) في الفِصَل :
" وقد أخبر الله عز وجل أن الشمس تسبح في الفلك …  فلو غابت في عين في الأرض كما يظن أهل الجهل أو في البحر لكانت الشمس قد زالت عن السماء وخرجت عن الفلك وهذا هو الباطل المخالف لكلام الله عز وجل حقا نعوذ بالله من ذلك. فصحَّ يقينا بلا شك أن ذا القرنين كان هو في العين الحمئة الحامية حين انتهى من آخر في البر وفي المغارب.. لا سيما مع ما قام البرهان عليه من أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض وبالله تعالى التوفيق"

ويقول فخر الدين الرازي (ت. 606 هـ ) في تفسيره مفاتيح الغيب:
" اعلم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سببا يوصله إليه حتى بلغه... أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضا قال: {ووجد عندها قوما} ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: تغرب في عين حمئة ..  أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر...  فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار...”

ويقول البيضاوي (ت. 685 هـ ) في أنوار التنزيل :
" ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال وجدها تغرب ولم يقل كانت تغرب"
 
ويقول القرطبي (  ت. 671 هـ) في تفسيره:
" وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض"

وابن كثير (ت. 774 هـ) في تفسيره أيضا:
" وقوله: {حتى إذا بلغ مغرب الشمس} أي: فسلك طريقا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض. وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له. وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق زنادقتهم وكذبهم"

وقد رُدَّ على هذه الشبهة ردا مستفيضا، وهي لا تدل على سقوط دعوى المغرضين فحسب، بل إنها في علاقتها بالآيات الأخرى التي تتناول الموضوع نفسه تبين صدق القرآن الكريم وأنه لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

مصادر الموضوع:
- الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم
- مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي
-  أنوار التنزيل للبيضاوي
- تفسير القرطبي
- تفسير ابن كثير
- في ظلال القرآن لسيد قطب
مصادر إضافية:
مصادر الصور:


Post Top Ad