القراءة المثمرة، مفاهيم وآليات .. عبد الكريم بكار (2) - محمد شعوان

مستجدات

الاثنين، 3 أكتوبر 2016

القراءة المثمرة، مفاهيم وآليات .. عبد الكريم بكار (2)

   
 
 أول سورة نزلت من القرآن الكريم حثت على القراءة، وأهميتها لا تحتاج إلى كثير تفصيل، غير أننا - في عصرنا هذا - تكاسل بعضنا عنها، وهجرها الآخرون، ومن ثم كان لزاما التذكير بأهميتها، وبيان محاسنها، وطرق الاستفادة منها، وهذا ما حاول الدكتور عبد الكريم بكار أن يوضحه في كتابه: القراءة المثمرة، مفاهيم وآليات..
[ الجزء الثاني ] 


 أنواع القراءة:

أولا: القراءة الاكتشافية:
- يجب التحري عند شراء الكتب ﻷن بعضها قد يكون فقيرا الغرض منه تجاري بحت، وقد يكون الكتاب جيدا لكن القارئ ليس من الشريحة التي وجه المؤلف كتابه إليها، مما يجعله لا يستفيد من قراءته، وقد يكون الكتاب مفيدا، لكن مادته لا تدخل ضمن أولياتك القرائية.نستطيع خلال نصف ساعة أن نصل إلى حكم جيد على الكتاب إذا قمنا بالآتي:- قراءة مقدمة الكتاب، حيث يكشف كثير من الكتاب فيها عن دوافع التأليف وأهدافه..- قراءة فهرس الموضوعات..- الاطلاع على فهرس المصادر والمراجع التي اعتمد عليها المؤلف، ﻷنها تشكل مصدر معلوماته وصياغاته، وتدل على طبيعة معالجته للمادة التي في كتابه.- قراءة ملخص الكتاب إن كان موجودا فيه أو إلقاء نظرة سريعة على عناوينه.- قراءة بعض صفحات أو فقرات من الكتاب لمعرفة مستوى المعالجة في الكتاب.
القراءة السريعة:لو قدر للمرء أن يقرأ في حياته ستين سنة، وقرأ في كل أسبوع كتابا، فإنه يكون قد قرأ نحواً من ثلاثة آلاف كتاب، وهو رقم متواضع جدا بالنسبة إلى ما هو منشور.- هناك كتب تقرأ قراءة سريعة لالتقاط النافع منها، وأخرى تقرأ قراءة مركزة ومتأنية.- ينتقل البصر في القراءة السريعة من مساحة إلى أخرى ليلتقط عددا من الرموز والإشارات والكلمات الدلالية، وهذا الانتقال يكون منتظما ومستمرا دون نكوص.- توجد دورات عدة لتعليم القراءة السريعة، وأبسط أدوات هذه القراءة، أن يضم القارئ إبهامه مع أصبعه، ثم يحرك هذا المؤشر تحت السطر بسرعة أكثر قليلا من حركة عينيه بشكل مريح..
مشكلة الفهم:
إن القراءة السريعة هي إنجاز مشكوك فيه، إنها غير ذات قيمة إذا كان ما نقرؤه يحتاج لتركيز وضبط، لكنها مفيدة في تحسين التركيز والحؤول دون الشرود والاستغراق في أحلام اليقظة، مما يعني زيادة فاعلية القراءة وتوسيع الفهم.- بالنسبة للقارئ المتمرس لابد أن يقرأ قراءة صامتة مما يعينه على سرعة القراءة.
ثالثا: القراءة الانتقائية:
الكتب التي يمكن أن يعود إليها أي باحث لموضوع بعينه نوعان رئيسان:- كتب تنتمي للحقل المعرفي للموضوع رهن البحث(مثل كتاب في اللغة لموضوع لغوي) = مرجع أساسي للباحث، لكن لا ينبغي الاقتصار عليه- النوع الثاني : كتب لا تنتمي للحقل المعرفي للموضوع رهن البحث (مثال قراءة كتاب في الفقه للعثور على فكرة اجتماعية أو تربوية).. وفائدة هذا النوع من المطالعة أشبه بالفوائد التي نحصل عليها من رحلة مثيرة، إننا لا نعرف ما الذي سنعود به، لكن كثيرا ما يكون رائعا وعظيما. وهنا نحن في حاجة للقراءة السريعة..
 

 رابعا: القراءة التحليلية
وهي تعني الارتقاء بالقارئ إلى أفق الكاتب الذي يقرأ له من كل الجوانب،وهذا الأمر يقتضي قارئا جيدا وكتابا جيدا أيضا.. وما سيأتي تفصيل لهذا النوع من القراءة:
سمات القارئ الجيد:
- إن النص الجيد هو النص الذي يشتمل على فراغات معرفية، وملء هذه الفراغات من مهمة القارئ الجيد.- من سمات القارئ الجيد المثابرة على القراءة والحماسة في متابعتها..وهكذا كان حال العظماء { وَجَعَلْنَا مِنْهُم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون } [ السجدة: 24 ]، وينبغي للمسلم هنا أن يعلم أنه مادام يقرأ شيئا نافعا فهو في عبادة من أعظم العبادات، مما يحفزه أكثر.- سئل أديسون عن العبقرية فقال: “إنها 1 % إلهام و 99 % عرق جبين.- يتمتع القارئ الجيد بعقلية منفتحة وقابلة لاستيعاب الجديد.- على القارئ أن يتساءل وهو يختار الكتاب: هل ما يقدمه الكتاب مناسب لعصرنا أو غير ذلك. وعليه أن يحتاط ﻷن كتبا ألفت بروح عنصرية أو انطلقت من خبرة ومعطيات ناقصة، أو مؤلفوها مفتونون بثقافات وحضارات يكيلون لها المديح وينظرون بعين المهانة لما لديهم.- يقرأ للمبدعين في تخصصاتهم، واﻷفضل أن يشرب من النبع مباشرة، فالقنوات التي يمر بها الماء قد تغير طعمه وقد تفسده.

أنواع الكتب:
- كتب لا تقرأ دفعة واحدة مثل الموسوعات والمعاجم .. يعود إليها طالب العلم عند الحاجة.- كتب للتسلية والحصول على المعلومات ..- كتب ينبغي قراءتها بتأن وتركيز جيد- كتب تحتاج إلى القراءة مرات متعددة، وكل مرة يكتشف شيئا جديدا [ نادر جدا ]

مبادئ وقواعد:
1- القراءة التحليلية تلقي على القارئ مسؤوليات في فهم الكتاب ﻷن الكاتب ليس ملزما بتبيين قصده ولا كيف قام بمهمته في كتابه، وقد تكون بين الفكرة التي يعبر عنها الكاتب وبين الكلمة التي يستخدمها لتوصيلها مسافة طويلة أو قصيرة على القارئ المتميز معرفتها.- الحاجة إلى الكتاب الجيد تمتد إلى ما بعد قراءته من خلال دمج ما قرأنا في أنساقنا الفكرية..2- على القارئ أن ينتبه للغة المستعملة في الكتاب، ومنها المصطلحات،ﻷنها قد تكون حمالة أوجه، وقد يحدث سوء فهم في تفسير ما نقرأ ونسمع. كما أن هناك كتابات تكون أقرب إلى الحرفية والدقة في استخدام اللغة (مثال: المجالات العقدية والفقهية والقانونية)..3- مما يسهل قراءة أي كتاب، معرفة المصادر والمراجع التي اعتمد عليها المؤلف، فللأخيرة بصمتها المعرفية والمصطلحية وغيرها. وكذا الرجوع إلى الموسوعات والمعاجم..4- القراءة التحليلية للكتاب تقتضي إضفاء نوع من التنظيم على محتواه الداخلي، مثل إيجاد نوع من التصور المنطقي المتسلسل لمسائل الموضوع، والانتباه إلى الكلمات والجمل التي تأتي محملة بنوع خاص من المعاني أو التي تشير إلى أهمية خاصة في نظر المؤلف. ويمكن في هذه الحالة القيام مثلا بوضع سطر تحت المصطلحات أو تلوين العبارات والجمل المهمة..
تساؤلات مهمة:يسألها القارئ قبل قيامه بشراء الكتاب وأثناء قراءته:- هل أنا من الشريحة التي يستهدفها المؤلف، ويوجه خطابه إليها؟- ما الخلفية الفكرية والمذهبية التي كُتِبَ بها الكتاب؟ ثم ما اﻷفكار اﻷساسية التي اعتنى بها الكاتب وما اﻷفكار الثانوية التي مر عليها مرور الكرام؟- ما مدى استيعاب القارئ لما قرأه؟ ويكون ذلك عن طريق أدوات اختبار الفهم، ومنها هاتان اﻷداتان:اﻷولى: أن يأتي القارئ بأمثلة وملاحظات على القواعد واﻷفكار والملاحظات التي يثيرها الكاتب..الثانية: أن يقوم بتلخيص ما تمت قراءته في عبارات وفقرات محددة بأسلوبه الخاص، لا أن يردد الكلمات والجميل عينها الموجودة في الكتاب وإلا فإنه يكون عندئذ اعتمد على الحفظ بدل الفهم.
4- الكاتب الجيد يقدم حلولا لمشكلات مطروحة، ويطرح أسئلة ويثير إشكالات جديدة، ومهمة القارئ هنا أن يسأل ما المسائل التي حاول الكاتب حلها وإلى أي مدى استطاع إقناع القارئ بحلوله؟ وما جدية اﻷسئلة المطروحة وموضوعيتها؟
 
الحوار مع الكاتب:
بداية الحوار من المؤلف الذي عليه أن يقنع قارئه بجودة كتابه، وعلى القارئ ألا يبدأ الحوار قبل أن يتأكد من هضمه للكتاب تجنبا لسوء الفهم والخطأ.في الساحات الثقافية نوعان سيئان من القراء: نوع يقرأ قراءة المستسلم للكاتب، والمعتقد بصواب ما يقوله.. والنوع الثاني، مشاكس، همه العثور على الثغرات والهفوات..لا ينبغي للقارئ أن يصدر حكما نهائيا على الكاتب من خلال الكتاب الذي قرأه، فقد يكون الكاتب قد تراجع عن رأيه أو فصل في موضع آخر .. ومن ثم ينبغي أن يكون القارئ عادلا ومنصفا في نقده..بعض النقاط التي تشكل مساقات لنقد القارئ لما يقرأ:1- بعض الكتاب لا يكتفون بعرض وجهة نظرهم، بل يسعون إلى إقناع القارئ بها، وهذا مشروع، إلا أن بعضهم يلجأ إلى استخدام البيان والخطابة بدل المعلومات الضرورية ويستطيع القارئ تبيان ذلك من خلال الكلمات الدلالية.2- على الكاتب الناقل توثيق المعلومة وتحري صحتها، إلا إذا كان من قبيل ما اجتهد فيه وابتكره، مثل التحليلات السياسية..3- أحيانا يهمل الكاتب عوامل أساسية أثناء معالجاته، كأن يقول كاتب مثلا أن العالم الإسلامي لا يعاني أية أزمة سكانية، في حين أن العالم الإسلامي ليس وحدة متجانسة ولا يشكل كتلة اقتصادية واحدة..
خامسا القراءة المحورية:
التقدم العلمي يحتاج للتخصص الدقيق، إذ يتعذر الحديث عن العالم الموسوعي الملم بعلوم عصره، والتخصص يعني بناء معرفة مدققة في موضوع ما مكتفيا بالمعرفة العامة في باقي الموضوعات.
- القراءة المحورية هي تلك القراءة التي تستهدف الوقوف على معلومات وأفكار ومفاهيم تتعلق بموضوع معين. فالقارئ هنا يسعى لاستخراج ما يخدم الموضوع فحسب، ومن ثم فإنه قد لا يقرأ سوى باب أو صفحة من كتاب ويتجاوز الباقي.
البداية:- كثيرا ما يجد المرء بعد البحث أن الموضوع الذي ظن أنه يمكن أن يكون محورا لقراءات مكثفة قد قتل بحثا.
- الخطوة اﻷولى في القراءة المحورية: اطلاع القارئ على مختلف الكتب والمراجع التي تعتبر مظانا للموضوع الذي يقرأ من أجله.- الخطوة الثانية أن يقرأ (قراءة تحليلية) النصوص والمقاطع ذات الصلة الوثيقة بموضوعه، ثم يطرح أسئلة إشكالية لها علاقة بالموضوع ويستطيع الإجابة عنها من خلال تلك الكتب.- الخطة الثالثة: توزيع النصوص المختارة على اﻷسئلة التي استطعنا بلورتها..وينبغي أن يتمتع بالفطنة ﻷن بعض هذه النصوص قد تكون إجابتها قاصرة أو خاطئة..
قراءة كتاب في التاريخ (نموذجا)
إن معرفة القارئ بتاريخ العلم الذي يقرأ فيه وبطبيعته ومشكلاته الحقيقية، ستعود عليه بالنفع حتما.. وقد اخترت أن أقدم للقارئ خلفية عن (علم التاريخ) لما له من أثر خطير في حياة الناس.. ويمكن إيجاز ما يساعدنا على تشكيل رؤية حول هذا العلم في المفردات الآتية:
- قدس البعض "التاريخ" فاعتبروه علم العلوم، وهوّن من شأنه آخرون فقالوا إنه لا يصلح أن يكون علما.- مهما امتلك المؤرخ من عناصر مساعدة على قراءة التاريخ (آثار، نقوش، وثائق..) فإنه لا يستطيع توضيح الصورة للناس بالشكل المطلوب، كما أن التفاصيل التي سيعتمد عليها ليست من اختياره دائما، فقد تكون من أناس صدقوها وأردوا من الآخرين تصديقها.- من أخطر ما يتعرض له العمل التاريخي؛ الانتقائية في الروايات..- يلزم المؤرخ الدقة واﻷمانة، وفوق هذا وذاك عليه تقديم صورة كاملة أو شبه كاملة للحدث المؤرَّخ. [ اخترع اليونان "التعليل" لسد الثغرات التي يتركها الاستقراء الناقص.. ]- اختلاف المؤرخين في رواية اﻷحداث وتحليلها، أسبابه كثيرة، بعضها خفي:- كالتحيز واتباع جماعات أو عنصر أو طبقة معينة مثلا..- تأثير محيط وبيئة المؤرخ في روايته للتاريخ، وهذه البيئات الجغرافية والاجتماعية والثقافية.. تشكل النافذة التي ينظر منها إلى كل ما حوله.النتيجة: لا توجد موضوعية مطلقة في أعمال المؤرخين.. وحتى لو كان المؤرخ معاصرا للحدث فقد يخضع لضغوط..
مما يساعد القارئ على فهم كتاب تاريخي أن يطرح بعض اﻷسئلة تتعلق بالمؤرخ والكتاب مثل:- ما هو الاتجاه المذهبي / الإيديولوجي للمؤرخ (حنفي، شافعي.. ليبيرالي، ماركسي.. )- هل بيئة المؤرخ مغلقة يسود فيها التفكير النمطي، أم مفتوحة؟- هل رحل المؤلف خارج البلاد أم محلي العلم والثقافة والخبرة؟- ما هي الحالة النفسية أو الاجتماعية للمؤلف؟ ( هل مر بأزمة مثلا؟ = التشاؤم)-...

الخاتمة.
كتب مختارة: - إدارة الوقت، دايل تيمب- الثقافة الفردية وثقافة الجمهور، لويس دوللو- حول التربية والتعليم، عبد الكريم بكار- العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ، صالح المقبلي- فصول في التفكير الموضوعي، عبد الكريم بكار- فن الدراسة والإيصال، بهيج ملاحويش- القراءة أولا، محمد عدنان سالم- القراءة البدء والاستمرار، يوسف العتيق- كيف تقرأ كتابا، مورتيمر آدلر- مدخل إلى التاريخ الإسلامي، محمد فتحي عثمان- مدخل إلى التنمية المتكاملة، عبد الكريم بكار- المدرَك والغامش، مختار بدرمعايير الفكر العلمي، جان فورا ستيه- المعلم أمة في واحد، إيرل بولياس- المفكرون العرب ومنهج كتابة التاريخ، وليد نويهض- مقدمة ابن خلدون- نصر بلا حرب، رتشارد نيكسون